ابو القاسم عبد الكريم القشيري

23

لطائف الإشارات

وفي ذلك يقول القشيري في مقدمته : « أكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضمنه من دقيق إشاراته وخفّى رموزه ، بما لوّح لأسرارهم من مكنونات ، فوقفوا بما خصوا به من أنوار الغيب على ما استتر عن أغيارهم ، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم ، والحق - سبحانه وتعالى - يلهمهم بما به يكرمهم ، فهم به عنه ناطقون ، وعن لطائفه مخبرون ، وإليه يشيرون ، وعنه يفصحون ، والحكم إليه في جميع ما يأتون به ويذرون » . ويتضح - بادئ ذي بدء - أنّ هذا اللون من الدراسة يفترق عن سائر ألوان الفكر الإسلامي في أمور كثيرة ، لعلّ أهمها عنصر الاصطفاء من قبل اللّه ، فليس يمكن لغير من اختصهم اللّه بفضله أن يخوضوا فيه . فأنت تستطيع أن تكون متكلما أو فيلسوفا أو نحويا أو أديبا إذا توفّرت لذلك ، وكان لديك استعداد ملائم ، وخصصته بعنايتك ، أمّا أن تكون مستنبطا للإشارة من العبارة فهذه خصوصية فريدة لا بدّ أن يسبقها اجتباء إلهي . كذلك يمكنك أن تكون عالما في أي فرع من فروع المعرفة دون أن يصحب ذلك عمل ، أمّا أن تقبل على القرآن الكريم لتستشف الجواهر من وراء الظواهر فهذه مسألة ينبغي أن تقترن بجهود مضنية في تصفية النفس والقلب من كل العلائق ، وتخليتهما عن كل الشواغل الدنية ، وتحليتهما بكل الأوصاف السنيّة . وربما كانت هذه الشروط المتصلة بالاجتباء المسبوق ، والعمل المقترن بالعلم من أسباب ندرة ما وصلنا من هذا اللون من التفسير ، كما أنها قد تكون أسباب خروج بعض ما يحشر في نطاقه - زورا أو خطأ - عن التفسير الإشارى السديد . فرق آخر يفرق هذا اللون من التفسير عن غيره أنه لا يعتمد اعتمادا كليا أو مسرفا على العقل ، إنما هو يعنى بالأمور العقلية بالقدر الذي يعني به الصوفية بالعقل ، ونعني به أن الذهن آلة لتصحيح الإيمان في مراحل البداية ، أمّا فيما فوق ذلك وفيما هو حثيث الخطو نحو المعارف العليا فهناك ملكات أخرى يناط بها حمل هذا العبء ، وهي في مذهب القشيري تتدرج صعودا من القلب إلى الروح إلى السر ثم إلى سر السر أو عين السر . معنى هذا أن استنباط الإشارات اللطيفة من النص القرآني ليس عملية عقلية صرفة إلا في الحدود التي تضمن عدم